صديق الحسيني القنوجي البخاري

84

فتح البيان في مقاصد القرآن

الْخاسِرُونَ أي الكاملون في الخسران البالغون إلى غاية منه ليس فوقها غاية لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم ، والموجب لخسرانهم أن اللّه وصفهم بست صفات تقدمت : الأولى : أنهم استوجبوا غضب اللّه . الثانية : أنهم استحقوا عذابه العظيم . الثالثة : أنهم استحبوا الحياة الدنيا . الرابعة : أنهم حرمهم اللّه من الهداية . الخامسة : أنه طبع اللّه على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم . السادسة : أنه جعلهم من الغافلين . ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا من دار الكفر إلى دار الإسلام ، وخبر إِنَّ محذوف أي لغفور رحيم ؛ وقيل الخبر هو الذين هاجروا ، أي إن ربك لهم بالولاية والنصرة لا عليهم وفيه بعد ، قال في الكشاف ثُمَّ ههنا للدلالة على تباعد حال هؤلاء ، يعني الذين نزلت الآية فيهم عن حال أولئك ، وهم عمار وأصحابه ، ويدل على ذلك ما روي أنها نزلت في ابن أبي السرح . قال ابن عباس : كان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام فنزلت فيهم هذه الآية فكتبوا بذلك إليهم أن اللّه قد جعل لكم مخرجا فأخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم فنجى من نجى وقتل من قتل . مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا أي فتنتهم الكفار بتعذيبهم لهم ليرجعوا في الكفر ، وقرىء فتنوا على البناء للفاعل وهي سبعية أيضا ، أي للذين فتنوا المؤمنين وعذبوهم على الإسلام ثُمَّ جاهَدُوا في سبيل اللّه وَصَبَرُوا على ما أصابهم من الكفار وعلى ما يلقونه من مشاق التكليف إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها أي من بعد الفتنة التي فتنوها أو بعد المهاجرة أو الجهاد أو الصبر أو جميع ذلك لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أي كثير الغفران والرحمة لهم . ومعنى الآية على قراءة البناء للفاعل واضح ظاهر ، أي أن ربك لهؤلاء الكفار الذين فتنوا من أسلم وعذبوهم ثم جاهدوا وصبروا لغفور رحيم ، وأما على قراءة البناء للمفعول وهي قراءة الجمهور فالمعنى أن هؤلاء المفتونين الذين تكلموا بكلمة الكفر مكرهين وصدورهم غير منشرحة للكفر إذا صلحت أعمالهم وجاهدوا في اللّه وصبروا على المكاره لغفور رحيم بهم . وأما إذا كان سبب الآية هو هذا عبد اللّه بن أبي سرح الذي ارتد عن الإسلام ثم رجع بعد ذلك إليه ، فالمعنى أن هذا المفتون في دينه بالردة إذا أسلم وجاهد وصبر فاللّه غفور له رحيم به . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 111 إلى 113 ] يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 111 ) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 112 ) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ ( 113 )